منتدى ثقافي اسلامي ترفيهي رياضي
 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الجزء السابع والعشرون سورة الرّحمن

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
روح الاسلام
المدير العام
المدير العام
avatar

انثى
عدد الرسائل : 2163
العمر : 44
الموقع : منتديات لحن المفارق
العمل/الترفيه : موظفة حومية
المزاج : عادي
الدولة :
الاوسمة :
تاريخ التسجيل : 25/03/2008

مُساهمةموضوع: الجزء السابع والعشرون سورة الرّحمن   الأحد 27 أبريل 2008, 11:41 am



« مكيّة أو مدنيّة ، وهي ثمان وسبعون آية »
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الرَّحْمنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)خَلَقَ ا لاِْنسَانَ (3)عَلَّمَهُ ا لْبَيَانَ (4)الشَّمْسُ وَا لْقَمَرُ بِحُسْـبَان (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْـجُدَانِ (6)وَالسَّماءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ا لْمِيزَانَ (7) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي ا لْمِيزَانِ (Coolوَأَقِيمُوا ا لْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِـرُوا ا لْمِيزَانَ (9) .
تفسير المفردات الآيات (1 ـ 9)
علّمه البيان :علّمه النطق.
الشمس والقمر بحسبان :إن الشمس والقمر يجريان وفق نظام، وحساب دقيق متقن.
والنجم والشجر يسجدان :يقصد بالنجـم : النباتات الصغيرة ، التي ليس لها ساق تنتصب عليه، وقيل أن المقصود بالنجم هو نجوم السماء. والمعنى: أن الأشجار والنجوم تسجد لبارئها سجود حقيقة، ولكن لا نفهم حقيقة هذا السجود. وقيل إن معناه الخضوع لنظام العبودية لله تعالى ، لخضـوع وجودها لنـظام تكويني وضعه لها بارئها سبحانه .
المعنى العام الآيات (1 ـ 9)
بهذه الكلمة (الرحمن) التي تملأ النفس أملا وحبّاً ورجاء، افتتح القرآن هذه السورة. والرحمن هو وصف مختص بالله تعالى، فلا يوصف غيره بهذا الوصف. بخلاف وصف الرحمة، فيصح اطلاقه على غير الله تعالى. والرحمن: هو كثير الرحمة. فهو وحده وسع كلّ شيء رحمة، وشملت رحمته كلّ شيء. قال تعالى: (ربّنا وسعت كلّ شيء رحمة وعلماً فاغفر للّذين تابوا ).
والآيات التي وردت بعد آية (الرحمن) هي تعريف للكافرين بالرحمن. إذاً هي جواب، كما يقول العلماء المختصون بنزول الآيات، لسؤال الكافرين: (قالوا وما الرّحمن )،
عندما اُمِروا بالسجود له سبحانه: جاء ذلك بقوله تعالى: (واذا قيل لهم اسجدوا للرّحمن قالوا وما الرّحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً ). فعرّفهم بأن الرحمن، هو الله الذي علّم القرآن لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ; ليعلِّمه للبشرية جمعاء، وهو الذي خلق الإنسان، وعلّمه البيان . علّمه النطق والتلفظ للتعبير عمّا في نفسه من أفكار ومعان وإرادة ومشاعر بكلمات .
إنّه يعرِّف الرّحمن بخالق الإنسان الذي أحاطه برحمته في رحم أمه ، ونشّأه حتى اكتمل إنساناً سوياً، ووهبه القدرة على النطق والتعبير، وعلّمه القرآن الذي فيه خيره وسعادته، وكلّ ذلك العطاء هو فيض الرحمة، وهو عطاء الرحمن.
إنّ من أعظم آيات الله في خلق الإنسان ـ وكلّ آياته عظيمة ـ هو قدرته على النطق، وهو تحويل الفكرة والإحساس والشعور والإرادة الى كلمة، أي استبدال المعنى بلفظ يدل عليه، ولولا النطق لما نشأ التعارف، ولما نشأ المجتمع البشري، ولما نشأت العلوم والمعارف، ولما حقق الإنسان أي وجود مدني أو حضاري، ولما كان هناك فرق بين الإنسان والحيوان. فالناطقية هي الفرق بين الإنسانية والحيوانية; لذا عرَّف العلماء الإنسان بأ نّه: حيوان ناطق.
وبعد التعريف بما أنعم الله سبحانه على الإنسان من الخلق والبيان، وتعليم القرآن، تحدّث عن نعمة الشمس والقمر لارتباطهما بحياة الإنسان، فالشمس مصدر النور والدفء في هذه الأرض ، ولولاهما لعاشت في ظلام دامس، ولولا الشمس لتجمد كلّ شيء في هذه الأرض ، ولاستحالت الحياة على سطحها . وللقمر علاقته بنظام الأرض ، والنور وحركة المجموعة الشمسية، لذا يوضح القرآن أن حركتهما وقربهما وبعدهما من الأرض ، إنّما يجريان وفق حساب علمي دقيق . فلو ابتعدت الشمس عن الأرض لتجمد كلّ شيء عليها ، ولو اقتربت منها لتبخّرت البحار ، واستحال عيش الأحياء عليها .
ولو اقترب القمر أكثر ممّا هو الآن; لاندفعت مياه البحار (المَدُّ) متأثرة بجاذبية القمر، بقوة هائلة تزيح الجبال، وتغرق الأرض. انّ حركتهما، والمسافة بينهما وبين الأرض، إنّما وضعت وفق حساب علمي دقيق، وبعلم الخالق العظيم.
وهكذا تتكامل صورة العلاقة بين خلق الإنسان، وخلق الشمس والقمر، ووجود الحياة على سطح الأرض. فلكي يحيا الانسان إنساناً يجب أن يكون للشمس والقمر وجود محسوب، كما هو الآن، كما يجب أن يكون الإنسان مخلوقاً قادراً على النطق يستطيع البيان (التعبير عمّا في نفسه من أفكار ومعان). ولن تكتمل إنسانيته إلاّ بالقرآن الذي يوضِّح له طريق السعادة والهدى في الحياة; ليوصله الى دار السعادة والسلام في عالم الآخرة.
وهكذا يكشف القرآن أن ما يتمتع به الإنسان من حياة إنسانية، إن هو إلاّ وليد الدفء والنور، والقدرة على البيان; ولن يصنع الدفء والنور والأرض والعقل والبيان، حياة سعيدة، إلاّ في ظل الوحي والتعليم الإلهي، إلاّ في ظل القرآن. وقد وهب الرحمن كلّ هذه النعم .
* * *
(والنّجم والشّجر يسجدان ): وينتقل القرآن في حديثه عمّا أنعم الله سبحانه على الإنسان، وعظمة المنعم، إلى عظمة الطاعة له، وسجود الخلائق لعظمته. فما من شيء في هذا الوجود إلاّ ويسبّح بحمده، وما من شيء من الخلائق إلاّ ويسجد لعظمته. وفي هذه الآية يلفت القرآن نظر الإنسان الجاهل لهذه الحقيقة، يلفت نظره الى سجود النجم (النبات الذي لا ساق له) والشجر، سجود النبات الذي يعيش مصاحباً للانسان على هذه الأرض يتمتع بنعمة النور والدفء والأرض، انه يعرف خالقه، ويسجد له، بإحساس يناسب درجة وجوده في هذا العالم ، وربّما فُسِّر السجود بالخضوع التكويني لإرادة الخالق العظيم، فالنبات ـ بمختلف أنواعه ـ ينمو ويعيش على هذه الأرض، وفق قوانين الحياة المرسومة له، من حيث النشأة والنمو والتكاثر والإضمحلال; وبذا يكون خاضعاً لارادة الله ، أي ساجداً له.
لعلّنا نستغرب أن يكون للنبات حسٌّ، وتطوّرٌ وإدراك للأشياء. لقد اكتشفت الدراسات والأبحاث العلمية تأثّر النبات بما يحيط به من حشرات ومحفّزات، من الصوت والضوء والحركة...; وذلك دليل وجود الشعور والإحساس النباتي المناسب لدرجة وجوده في هذا العالم ، وهو ما ينبّه عليه القرآن في هذا البيان; انه يسجد حقيقة لعظمة خالقه; لأ نّه يشعر بتلك العظمة، ويحس بما يغمر وجوده من الفيض الرباني. إنّها عظمة الخالق المستحق لسجود الخلائق كلّها . انّه السجود الذي تكتمل به إنسانية الانسان .
* * *
(والسّماء رفعها ووضع الميزان * ألاّ تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ).
ويتواصل تعريف القرآن بالرحمن، فهو الذي خلق الإنسان، وعلمه القرآن والبيان. وخلق الشمس والقمر، ونظّم حركة سيرهما ، وهو الذي تسجد له الأشجار، وكلّ نبات في الأرض، وهو الذي رفع السماء، ووضع الميزان. وبهذه التعاريف يتجلّى للإنسان عظمة الخالق في خلقه، إنّه رفع السماء، ورفعها نسبي، منسوب الى الإنسان على الأرض، انّ هذا الفضاء الذي لن تكون فيه الأرض إلاّ هباءة ضئيلة القيمة، فيه ملايين المجرّات ، وآلاف الملايين من النجوم والكواكب ، التي تبعد عن الأرض مئات الملايين من السنين الضوئية . انّ هذه السماوات ، بنظامها واتساعها وجمالها ، وعلاقة بعضها بالأرض ، وبحياة الإنسان ، لتُعرِّف بعظمة الرّحمن ، الخالق العظيم ، الذي ينكر وجوده الملحدون.
والميزان أداة الحساب والتقدير للأشياء المادية والأدبية، قد وضعه خالق الوجود للإنسان.
فالميزان المادّي وضع وفق القانون الذي رفعت به السماء، فارتفاع السماء وارتباط الكواكب والنجوم في اطار المنظومات الكونية; إنّما يجري وفق قانون الجاذبية فيما بينها، وميزان السلع والأشياء يعمل وفق هذا القانون ذاته، فالأرض تجذب الأجسام إليها. وبقدر ما تجذبها الأرض تعطي وزناً.. فالميزان يعمل بقانون الجاذبية الذي تسير وفقه أنظمة السماء المرتفعة; ولعل هذه الحقيقة، هي التي دعت القرآن لأن يُقرن رفع السماء بوضع الميزان.
واذا كان الميزان آلة الضبط والحساب، واستيفاء الحقوق المادية والأدبية كان من الواجب الوفاء به وضبط عمله وفق العدل والإنصاف، وعدم التجاوز على الحق والعدل: (ألاّ تطغوا في الميزان )، ليقام الوزن بالقسط (بالعدل)، ويؤتى كلّ ذي حق حقه المادي والإنساني ، وليمتنع الإنسان عن أن يُخسر الميزان ، عن أن يُنقص الوزن ، عن أن يظلم أو يجور، أو يغمط أحداً حقه ، فيبخس الناس أشياءهم .
* * *
وَا لاَْرْضَ وَضَعَهَا لِلاَْنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ ا لاَْكْمَامِ (11)وَا لْحَبُّ ذُو ا لْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) .
تفسير المفردات الآيات (10 ـ 13)
الأنام :الناس. وقيل أن معنى الأنام هو كلّ ذي روح.
ذات الأكمام :الكُم: الوعاء والغلاف، وجمعها أكمام، والكُم ; هو ما يغطِّي الثمار من أوعية، ويقصد به هنا غلاف الطّلع .
والحَبّ ذو العصف:ذو الورق الذي ينتهي إلى اليَبس والجفاف ، فيتحطّم ويتفتّت .
والريحان:الرزق، وقيل الحب المأكول، كالحنطة والرز والشعير، وقيل نبات الريحان الطيّب الرائحة .
المعنى العام الآيات (10 ـ 13)
(والأرضَ وَضَعَها للأنامِ ).
ويسترسل القرآن في التعريف بمن هو الرحمن، فهو الله خالق الأرض، كما هو خالق الإنسان والسماء. إنّه وضع الأرض للانسان وسائر الأحياء. انّه خلقها ومهّدها للحياة، بما وفّر فيها من ظروف العيش المناسبة لطبيعة الاحياء، من الماء والهواء بنسبه المُنظّمة، والضغط والجاذبية والنور والحرارة والغذاء وسرعة حركتها ودوراتها حول الشمس .. إنّ وجود الأصناف المتعددة للنباتات بألوانها وطعومها وروائحها المختلفة; لتجلِّي عظمة الخالق. إنّها تنبت بأرض واحدة، وتسقى بماء واحد، وتعطي ثماراً مختلفة. إنّ النباتات تلك المصانع المذهلة، التي تصنع السكر والدهن والبروتين والفيتامينات، والزيوت والعطور والطعوم، والأصباغ والألوان والسوائل المختلفة، من تراب الأرض وعناصر الطبيعة.. انه لعمل مذهل، هذا الذي تقوم به تلك المصانع الحيّة (النباتات); لتحكي عن عظمة الصانع العظيم، انه عمل لا يحسّه، ولا يفكّر به، إلاّ العلماء والعارفون بتلك الحقائق. وسبحان القائل: (إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ )، لذا يعدد القرآن أنواع النبات، من الفواكه والنخيل والحبوب والرياحين وغيرها.. ليثير في نفس الإنسان تلك الحقائق والمعلومات، ويوجه نظره وإحساسه إليها.
إنّ كلّ تلك النعم قد خلقها بارئها للإنسان : (فبأيِّ آلاء ربِّكما تُكذِّبان ).
انّه يعاتب الإنسان، كيف ينكر، ويكذِّب بنعم الله سبحانه.. أليس من الحق أن يعترف بهذا الفضل ، ويشكر المنعم ، يسجد لخالق الوجود ... انّه لسؤال حريٌّ بالإجابة ; لذلك حرص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن يعلّم أمّته ، كيف تجيب على سؤال الوحي : (فبأيِّ آلاء ربِّكما تُكذِّبان ) . فقد دعاهم إلى أن يجيبوا كلّما قرأوا هذه الآية فيقولوا : «لا بشيء من آلائك يا رب أكذِّب» .
* * *
خَلَقَ ا لاِْنسَانَ مِن صَلْصَال كَا لْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ ا لْجَانَّ مِن مَارِج مِن نَار (15)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ ا لْمَشْـرِقَيْنِ وَرَبُّ ا لْمَغْرِبَيْنِ (17)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَـذِّبَانِ (18) مَرَجَ ا لْبَـحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ (20)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَا لْمَرْجَانُ (22)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ ا لْجَوَارِ ا لْمُنشَآتُ فِي ا لْبَحْرِ كَالاَْعْلاَمِ (24)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان (26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ا لْجَـلاَلِ وَا لاَْكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَـذِّبَانِ (28)يَسْـأَ لُهُ مَن فِي السَّماوَاتِ وَا لاَْرْضِ كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن (29) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30) .
تفسير المفردات الآيات (14 ـ 30)
من صلصال كالفخّار:الصّلصال: الطين الجاف، وقيل الطين النتن. والفخار: الطين
الذي طبخ بالنار فصار خزفاً.
من مارج من نار :المرج : الخلط ، ومارج: مختلط . والمعنى : خلق الجان من لهيب مختلط ، وقيل أن المعنى خلق الجان من نار لا دخان لها . أي : خلقه من نار غير النار المألوفة لدينا، وهي النار ذات الدخان .
مرج البحرين يلتقيان :مرج: أرسل وخلّى(Cool: والمعنى أرسل البحر المالح، والبحر العذب، متجاورين متلاقيين، لا فصل بين الماءين في مرأى العين(9).
بينهما برزخ لا يبغيان:البرزخ: الحاجز، لا يبغيان: لا يطغى أحدهما على الآخر.
وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام :الجـوار : هي السـفن الجارية في الماء . والمنشآت : المصنوعات المرفوعات . والأعلام : يقصد بها في هذه الآية2: الجبال .
كل يوم هو في شأن : يعني أن الله ـ جل ثناؤه ـ هو المغـيّر للأمور والأوضاع والتّحولات ، ومُحدِث المستجدّات في عالم المخلوقات .
المعنى العام الآيات (14 ـ 30)
(خلق الإنسان من صلصال كالفخّار... ).
ويتواصل تعريف الرحمن بخلقه، وعظمة قدرته، فينتقل من الحديث عن خلق الشمس والقمر والأرض والنبات، الى الحديث عن خلق الإنسان، الذي تأخّر وجوده بشكل طبيعي عن هذه المخلوقات. انه خُلق من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، لقد خلق الإنسان من تراب الارض المختلط بالماء الذي وصف خلقه في آية اُخرى بقوله: (.. الذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين )، وخلق الجان من مختلط النار.
فكان لكل من العالمين، عالم الجن، وعالم الإنسان، خصائصه وصفاته، فهو يخلق من النار ما يشاء، كما يخلق من التراب ما يشاء من سكر وعطور وزيت وألوان، من خلال ما أنبت من نبات، وتلك حقائق ملموسة ، بل ما يتناوله الإنسان والحيوان من نبات الارض، وثمارها المستخرجة من التراب ، يتحول الى مادة حيوانية، من اللحم والعظم والشعر والحليب والعصارات الهضمية، وكلّ ذلك مصدره التراب، فليس أمام العقل البشري إلاّ أن يسجد لخالق الوجو د، ولا يكذّب بآلاء ربِّه ، وأن يكرِّر قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا بشيء من آلائك يا رب أكذّب» .
(ربّ المشرقين وربّ المغربين )، وفي حركة الشمس والأرض، وتكوّن الليل والنهار، وما يطرأ عليهما من الطول والقصر، أي شروق الشمس وغروبها، واختلاف مواضع الشروق والغروب وتعددها، في الصيف والشتاء، آية من آيات القدرة والعظمة. والقرآن هنا يعرِّف بالرحمن من خلال التعريف بقدرته. إنّ لاختلاف الفصول وتغيّرها، وكمية الحرارة، علاقة بعالم الأرض من حيث الحالة النفسية للإنسان، ونوع الإنتاج الزراعي، ونظام الحياة، ما ينزل من مطر وثلوج، وما تهب من رياح وغبار... الخ، ان كلّ ذلك من آلاء الله، ونعمه على الإنسان، فبأي هذه الآلاء والنعم يكذب الإنس والجان.
* * *
(مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان ).
ومن آياته سبحانه اختلاف نوع المياه، العذب والمالح; فوجودهما يثير سؤالا علمياً وعقلياً مدهشاً: لماذا لم تكن المياه كلها عذبة، ولماذا لم تكن المياه كلها مالحة؟ فلا يطغى أحدهما على الآخر، فتختلط المياه العذبة بالمالحة، ان المدبر العظيم هو الذي جعل بينهما حاجزاً، فلا يهاجم أحدهما الآخر. ان كلّ ذلك يجري لحكمة، ومصلحة في الخلق. والتفاعل والإمداد متواصل بين الماء العذب، والماء المالح الذي يغمر ثلاثة أرباع الأرض. فالبحار المالحة تمد الأرض بالمياه العذبة، عن طريق التبخر والمطر، والمياه العذبة تصب في البحار. والماء العذب مخزون في أعماق الأرض، على شكل مياه جوفية، ينفجر عيوناً وينابيع، فيسلك طريقه أنهاراً ومجاري الى البحار على الأرض. انها آلاء الرحمن ونعمه، فبأي هذه النعم والآلاء يكفر الإنس والجان. وفي أعماق البحار العذبة والمالحة، ينشأ اللؤلؤ والمرجان، للزينة ومنافع الناس، وبشكل مدهش، يبعث على التصاغر أمام عظمة الله وقدرته.
(وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام )، وطبيعة تركيب المياه السائلة وقانون طفو الأجسام الصلبة فوق المواد السائلة، الذي يعبّر عنه لفظياً بقول علماء الفيزياء «تفقد الأجسام الصلبة من وزنها بقدر ما تزيح من السائل»، هو الذي يسمح بطفو السفن، وتنقلها في المياه، ولولا هذه العلاقة القانونية بين السائل والجسم الصلب، كالخشب والحديد، لما طفت السفن التي تمخر عباب البحر، ظاهرة طافية، كما يظهر الجبل على سطح الأرض، جارية في المياه، وهي من أعظم وسائط النقل، والتواصل البشري، ولولاها لما أمكن التواصل بين المجموعات البشرية فيما وراء البحار بهذا الشكل الواسع.
ان الذي خلق قوانين الطبيعة، وعلّم الإنسان الإستفادة منها، هو الرحمن. خلق كلّ ذلك برحمته، فبأي تلك الآلاء والنعم يكذّب الإنسان.
وهكذا يتواصل الحديث القرآني عن الأرض والنبات والإنسان، والسماء والشمس والقمر، والليل والنهار ، والسفن والبحار ، واللؤلؤ والمرجان، فيصوّر الأرض، وما عليها من حركة وحياة وجمال، فيعرضها لوحة فنية زاخرة بألوان الحركة والإثارة، ثم ينتهي المشهد فجأة، ويختفي كلّ شيء من عالم الوجود، كأنه لم يولد، ولم يكن . فيأتي القضاء الإلهي الحاسم :
وهو الحكم بالفناء على هذا العالم، ولكن لا لينتهي الإنسان الى العدم، بل ليبدأ رحلة جديدة، ويدخل عالماً آخر، هو عالم الآخرة.
وهكذا يُصوّر القرآن هذا المسار وتلك النهاية بقوله: (كلّ مَن عليها فان * ويبقى وجه ربِّك ذو الجلال والإكرام ). فللّه وحده البقاء والجلال والإكرام، فهو الأوّل والآخر، والمنزّه عن وقوع الحوادث عليه والفناء. فالفناء قانون ونظام قضى به الحي الباقي على الخلائق كلّها .
انّه الباقي بجلاله وإكرامه. انه الرب الذي تحتاجه الخلائق كلّها: (يسأله من في السماوات والأرض ). يسأله كلّ موجود من خَلقه، أي هي بفقرها الدائم تحتاج الى غناه، انها تفتقر للإيجاد والبقاء والإدامة، وافاضة كلّ ذلك عليها، ولا مصدر لهذا الفيض والعطاء الذي تفتقر اليه إلاّ الله سبحانه ...
(كلّ يوم هو في شأن ).. إنّه الخلاّق الذي يغيّر ويبدّل، ويوجِد الحوادث والوقائع، ويُفني، ويحرّك عوالم الوجود بمختلف المجالات والظواهر والنتائج. فلا استقرار في هذا الوجود، ولا سكون ولا جمود، انه القادر والمختار والمتصرف في الكون بعلم وحكمة. انه يسوق للانسان في هذه الآية، التعريف بحقيقة كونية ترتبط بوجوده، وهي الحركة والتغيير الدائم، ليدعوه الى العمل المتواصل، وطلب التغيير نحو الأفضل من خالق الوجود، الذي يُغيّر ويبدل، ويمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أُمّ الكتاب. وكلّ ذلك يجري وفق الحكمة والمصلحة .
* * *
.



تابع

_________________


زورو مدونتي لحن المفارق الادبية


http://lahne-almafarik.blogspot.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lahne-almafarik1973.kalamfikalam.com
 
الجزء السابع والعشرون سورة الرّحمن
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات لحن المفارق  :: المنتديات الدينية :: القرآن الكريم-
انتقل الى: